العيني
27
عمدة القاري
بيان استنباط الاحكام الأول : أن فيه مس الركنين اليمانيين : قال القاضي عياض : اتفق الفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين وهما مقابلا اليمانيين لا يستلمان ، وإنما كان الخلاف فيه في العصر الأول بين بعض الصحابة وبعض التابعين ، ثم ذهب الخلاف . وتخصيص الركنين اليمانين بالاستلام لأنهما كانا على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، بخلاف الركنين الآخرين ، لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، ولما ردهما عبد الله بن الزبير ، رضي الله عنهما ، على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم استلمها . أيضاً ، لو بني الآن كذلك استلمت كلها اقتداء به ، صرح به القاضي عياض . وركن الحجر الأسود خص بشيئين : الاستلام والتقبيل ، والركن الآخر خص بالاستلام فقط ، والآخران لا يقبلان ولا يستلمان . وكان بعض الصحابة ، رضي الله تعالى ، عنهم والتابعين يمسحهما على وجه الاستحباب . وقال ابن عبد البر : روي عن جابر وأنس وابن الزبير والحسن والحسين ، رضي الله تعالى عنهم ، أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها . وعن عروة مثل ذلك . واختلف عن معاوية وابن عباس في ذلك . وقال أحدهما : ليس بشيء من البيت مهجوراً ، والصحيح عن ابن عباس أنه كان يقول : إلاَّ الركن الأسود واليماني ، وهما المعروفان باليمانيين . ولما رأى عبيد بن جريج جماعة يفعلون على خلاف ابن عمر سأله عن ذلك . الثاني : في حكم النعال السبتيه ، قال أبو عمر : لا أعلم خلافاً في جواز لبسها في غير المقابر ، وحكي عن ابن عمر أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لبسها ، وإنما كره قوم لبسها في المقابر لقوله صلى الله عليه وسلم لذلك الماشي بين المقابر : ( ألق سبيتك ) . وقال قوم : يجوز ذلك ولو كان في المقابر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا وقع الميت في قبره انه يسمع قرع نعالهم ) وقال الحكيم الترمذي في ( نوادر الأصول ) إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال لذلك الرجل : ( إلق سبتيتك ) لأن الميت كان يُسأل ، فلما صر نعل ذلك الرجل شغله عن جواب : الملكين ، فكاد يهلك لولا أن ثبته الله تعالى . الثالث : الصبغ بالصفرة ، ولفظ الحديث يشمل صبغ الثياب وصبغ الشعر ، واختلفوا في المراد منهما ، فقال القاضي عياض : الأظهر أن المراد ضبغ الثياب لأنه أخبر أنه صلى الله عليه وسلم صبغ ، ولم يقل : إنه صبغ شعره . قلت : جاءت آثار عن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، بيَّن فيها تصفير ابن عمر لحيته ، واحتج بأنه ، عليه الصلاة والسلام ، كان يصفر لحيته بالورس والزعفران ، أخرجه أبو داود ، وذكر أيضا في حديث آخر احتجاجه به بأنه ، عليه الصلاة والسلام ، كان يصبغ بهما ثيابه حتى عمامته ، وكان أكثر الصحابة والتابعين يخضب بالصفرة منهم أبو هريرة وآخرون ، ويروى ذلك عن علي ، رضي الله عنه . الرابع : فيه حكم الإهلال ، واختلف فيه ، فعند البعض : الأفضل أن يهل لاستقبال ذي الحجة ، وعند الشافعي : الأفضل أن يحرم إذا انبعثت راحلته ، وبه قال مالك وأحمد ، وقال أبو حنيفة ، رضي الله تعالى عنه : يحرم عقيب الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته ، وقبل قيامه ، وفيه حديث من رواية ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما . قال بعض الشراح : وهو ضعيف . قلت : حديث ابن عباس رواه أبو داود : حدثنا محمد بن منصور ، قال : حدثنا يعقوب يعني ابن إبراهيم ، قال : حدثنا أبي عن ابن إسحاق ، قال : حدثنا خصيف ابن عبد الرحمن الجزري عن سعيد بن جبير ، قال : قلت لابن عباس : يا ابن العباس ؛ عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب . فقال : إني لأعلم الناس بذلك ، إنها إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة فمن معنا هناك اختلفوا . خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا ، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجبه في مجلسه فأهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه ، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه ، ثم ركب ، فلما استقلت به ناقته أهل ، وأدرك ذلك منه أقوام وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالاً ، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا : إنما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استقلت به ناقته ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما علا شرف البيداء أهل ، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا : إنما أهل حين علا شرف البيداء ، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه ، وأهل حين استقلت به ناقته ، وأهل حين علا شرف البيداء . قال سعيد : فمن أخذ بقول ابن عباس أهل في مصلاة إذا فرغ من ركعتيه وأخرج الحاكم في ( مستدركه ) نحوه ، ثم قال : هذا الحديث صحيح على شرط مسلم ، مفسر في الباب ، ولم يخرجاه ، وأخرجه الطحاوي ثم قال : وبين ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، الوجه الذي منه جاء الاختلاف ، وأن إهلال النبي صلى الله عليه وسلم الذي ابتدأ بالحج ودخل به فيه كان في مصلاة ، فبهذا نأخذ . فينبغي للرجل إذا أراد الإحرام أن يصلي ركعتين ثم يحرم في دبرهما ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد . وقد ذكر الطحاوي هذا بعد أن ذكر اختلاف العلماء ، فروى أولاً عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بذي الخليفة